الشيخ السبحاني

75

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

ولأجل ذلك نجد أنّ أمة كبيرة من جنس البشر تولوا منصة الحاكمية من جانب اللّه سبحانه وإذنه الخاص ، يديرون شؤون الحياة الاجتماعية للإنسان . وفي ذلك يخاطب اللّه نبيّه داود ويقول : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 1 » . إنّ الآية الكريمة وإن كانت واردة في تنصيب داود على القضاء ، لكن نفوذ قضائه كان ناشئا من حاكميته الواسعة التي تشمل الحكم والإمرة بحيث كان نفوذ قضائه من لوازمها وفروعها . ولم يكن القضاء في تلك الأعصار منفصلا عن سائر شؤون الحكومة ولم يكن شأن داود منحصرا في بيان الأحكام والمعارف ، بل كان يتمتع بسلطة تامة تشمل التنفيذية والقضائية ، بل التشريعية أيضا بوحي من اللّه سبحانه . يقول سبحانه : وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ « 2 » . قال العلّامة الطباطبائي : ويدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى قوله : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ « 3 » . . فالحكم للّه لا يشاركه فيه غيره على ظاهر ما يدل عليه غير واحد من الآيات ، غير أنه سبحانه ربما ينسب الحكم وخاصة التشريعي منه في كلامه إلى غيره ، كقوله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ « 4 » ، وقوله للنبيّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ « 5 » . وقوله تعالى : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ « 6 » وقوله : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ « 7 » إلى غير ذلك

--> ( 1 ) سورة ص : الآية 26 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 251 . ( 3 ) سورة يوسف : الآية 40 . ( 4 ) سورة المائدة : الآية 95 . ( 5 ) سورة المائدة : الآية 49 . ( 6 ) سورة المائدة : الآية 48 . ( 7 ) سورة المائدة : الآية 44 .